الزوراء | حاجة المسؤولين العراقيين إلى السلوك الحضاري

 حاجة المسؤولين العراقيين إلى السلوك الحضاري

 

 

د. سيّار الجميل

يقال إن الإنسان يُعرف أول مرة من تصرفاته وسلوكه ، فان كان قد تربى تربية جيدة ، فسيكون حسن السلوك طوال حياته ، وإن كان من بيئة متدنية ، ولم يحسن أهله تربيته ، فسيبقى سيئ السلوك ، وبليد التصرفات ليس مع نفسه ومع الآخرين ! ولقد أكد الأولون والآخرون من الأدباء والمربين وعلماء السلوك على هذه الناحية التي يبدو ان البعض يفضح نفسه من دون أن يشعر ، ولا يتملكه أي إحساس بالذنب بما يفعله أو بما يقوم به من تصرفات ليعتذر ويعدّل سلوكه . ولقد ابتلي المجتمع العراقي بهكذا نوع من البشر .
ويبدو ان خمسين سنة مضت ، كانت تحمل أسوأ التناقضات التي أفقدت الناس عادات سلوكية قيمية غير جارحة ، وزادت من سوء تصرفات شرائح اجتماعية طارئة ومنتشرة هنا أو هناك حتى وان امتلك أبناؤها أعلى المناصب ، أو حملوا أرفع الشهادات والدرجات والمناصب !
لم تتملكني المفاجأة وأنا أرى على التلفزيون زعيم البلاد يجلس في مؤتمر دولي صرف عليه الملايين من اجل هدف نبيل ، ولكنه جلس أمام عدسات الكاميرات التلفزيونية ، وهو يلعب بأنفه لينظفه من الأوساخ بطريقة بدائية ! أو يقضم أظافره بأسنانه ، والأظافر - كما تعلمون - تحمل كل المكروبات ! فإن كان رب البيت وهو القدوة يتصرّف بهذه الطريقة ، فما الذي أبقاه للناس العاديين الأميين ؟ إن الرأي العام لا يحاسب على سياسات القادة والمسؤولين حسب ، بل يحاسبهم أيضا على سوء تصرفاتهم وسلوكياتهم المنحرفة !
في مدارسنا الرسمية قبل أكثر من خمسين سنة ، علمونا كيف نصطف كل صباح لتفتيش نظافة أظافرنا ووجوهنا وأيدينا وألبستنا وأحذيتنا ! وكيف نصمت عند رفع العلم كل يوم خميس .. وفي الصفوف ، يعلموننا الأشياء والصحة قبل ان تحل بدلها التربية الوطنية التي ألغيت لتحلّ محلها التربية القومية لتلغى اليوم ولا ادري ما الذي تتعلمه الأجيال الجديدة اليوم . كانوا يعلموننا أساسيات السلوك واحترام الكبير والعطف على الصغير ، وكيف نصنع الورود ،وكيف نعشق الأوطان ، وكيف نتعامل مع الحياة ، وكيف نساعد الفقراء ، وكيف نغني الأناشيد الوطنية ، وكيف نحترم المعلم ونقدس الوالدين .
وفي البيوت كان الوالدان يعلمان أولادهما ، كيف الجلوس ، وكيف الكلام ، وكيف التصرف مع كبار السن بتقبيل أياديهم ، وكيف التعايش ومحبة كل الناس ، وكيف الحسنى مع الجيران ، وكيف حماية بنات المحلة ، وتحريم التحرّش وكيف الإغاثة ، وكيف التصرّف في المناسبات ، وكيف الوفاء مع الأصدقاء ، وما آداب المجالسة ومائدة الطعام ، وكيف نساعد الأعمى في عبور الشارع ، وكيف نترك مقاعدنا في باصات المصلحة لمن أكبر منّأ سنّا ، علمونا ان السرقة جرم ، والمال العام حرام .. بل يعّلم الآباء أولادهم ان لا يفتحوا بطونهم في بيوت الآخرين ، ووجوب إكرام الضيف حتى بقدح شاي أو فنجان قهوة ..
وأذكر في المدارس الأهلية والخاصة ورياض الأطفال يعلمون كيفية المشي في الشارع بلا تلفت أو تعلك أو بصاق على الأرض أو الأكل على قارعة الطريق ، ولا التحدّق بالآخرين .. ولا يلعب المرء بخشمه ، ولا يتلمظ بأصوات مزعجة عند الأكل والشرب .. ولا يمخط إلا بمنديل ، علموه احترام الزمن ، ويمنع قطع شجرة أو زهرة من أماكن عامة ، وعدم رمي أيّ شيء على الرصيف .. وكيف المحافظة على الهدوء ، والسكينة لا الضوضاء ، وأصول المحادثة والتواضع بلا تنطع وبلا استئثار وبلا تجريح وبلا استعراض وبلا مقاطعة وبلا مباهاة ، وأصول المشي بلا احتداب ولا تمندل عضلات ! ورسم الابتسامة للآخرين بلا ابتذال وبلا احتقان وبلا عبوسة وبلا تنابز وبلا بذاءات !!
وتذكرون القيم العسكرية الصارمة في الجيش العراقي ، كان الضباط القدماء يتصفون بأخلاقياتهم العالية وسلوكياتهم المهنية وقيافاتهم النظيفة وحلاقة ذقونهم ، تربت على أيديهم الآلاف المؤلفة .. أما سلوك الموظفين ، فكان رائعا بالتزاماتهم وأمانتهم على الأسرار وعلاقاتهم النقابية وسلوكياتهم تجاه رؤسائهم ومرؤوسيهم .. وكانت الدولة تحرص على السلوك وتوازن الشخصية والأهلية والهندام في التعيين والاستمرار الوظيفي.. وكيف يتم انتقاء الحكام والقضاة والسفراء والدبلوماسيين .. ثم يأتي اختيار وترشيح وتنصيب المسؤولين الكبار وما يمكن ان يتصف به الرؤساء والوزراء والسفراء والمدراء والقضاة والقادة والنواب .. كرجال ونسوة يقودون المجتمع من خلال الدولة كصفوة عراقية حقيقية وليست مصطنعة فاشلة !
لقد عاش العراقيون سابقا على قيم معينة يفتقدها اغلب المسؤولين اليوم للأسف ، وان المحنة التي يعانيها كل العراقيين حضارية واجتماعية قبل ان تكون سياسية وعقائدية ، إذ غدت هذه الأخيرة ارتزاقية ومأجورة ومعدومة القيم والأخلاقيات والسلوكيات العالية ، وان ما نعانيه اليوم هو نتاج الكارثة التاريخية التي حلت بالعراقيين سياسيا منذ خمسين سنة .. وأجد في قراءاتي للعديد من مواقف المسؤولين العراقيين القدماء حكمة ومعاني عالية المستوى في التصرف والسلوكيات وتأكيدهم على جوانب حضارية أكثر منها سياسية ، وتقدمية أكثر منها ماضوية ، ومهنية أكثر منها حزبية ، ووطنية أكثر منها طائفية ..
لقد حافظت مجتمعات عدة بالرغم من محنها التاريخية على قيمها وأخلاقياتها وسلوكياتها ونزعاتها الوطنية بعيدا عن ثارات دموية أو التكلّس لتعود القهقرى إلى العصور الوسطى .. مجتمعات لم تنتكس لترجع إلى حياتها القبلية أو يحكمها أناس لا يدركون قيم التمدن .. فما الذي جرى في العراق كي تنتهك القوانين المدنية ويستخف بحقوق المرأة والطفولة وتساهم أحزاب فاشية أو طائفية في نحر المجتمع بخلق الحروب والصراعات.. وتتشرذم النخب ( المثقفة ) بعد ان تمكنت الذهنية المركبة عندها بديلا عن المنفتحة .. وتترسخ الأحقاد لعوامل تاريخية تافهة فيخلق الاحتراب والإرهاب .
ما المعنى الحضاري لمؤتمر ضد الإرهاب في عاصمة حضارية عريقة كانت تسمى قبل ألف سنة بمدينة السلام ترفع اليوم شعارات بدائية لا أخلاقية تقول بأن لنا قانون أحوالنا الشخصية ( الجعفري ) ولكم قانونكم ( غير الجعفري ) ؟ أية محنة لا أخلاقية وكارثية ساهم في خلقها من أوجد المحاصصة ليفشل الدولة ، فيتمزق المجتمع شر ممزق ؟ ما المشروع الخطير الذي يمضون فيه نحو المستقبل ؟ لماذا ضاعت الحكمة في التصرف السياسي ؟ وأين سيذهب المجتمع بعد ان حل الصمت لدى العقلاء ؟ وشملت البذاءات كلّ خطاب ؟ لماذا سادت الشتائم وسوء الكلام في المجادلات ؟ لماذا التخندق المذهبي والطائفي ؟ وهل يتعامل العالم المعاصر بالتمذهب الطائفي ؟ لماذا يريد كل طرف إبادة الطرف الآخر ؟ لماذا التسقيط والإقصاء وخلق التهم واختلاق الأكاذيب ؟ ما ذنب أهل العراق مهما كان دينهم وعرقهم ومذهبهم كي يقتلوا وتجيّش ضدهم الجيوش من أهلهم ؟ لماذا لم ينظر إلى أبناء الشعب نظرة وطنية موحدة حتى يخفت الإرهاب ؟
هذه كلها أسئلة عامة إن لم تجد أجوبة حقيقية لوضع حلول حضارية ، فلا يمكن معالجة الجزئيات السياسية التي لا أول لها ولا آخر ! و لن تحلها لا انتخابات مخترقة ، ولا عملية سياسية فاشلة . ما أقوله ليس بتغريدات شاعرية ، بل هو تعبير صارخ لما يتمناه كل العراقيين الشرفاء الأوفياء لوطنهم والمحبين لكل أهلهم العراقيين .. إنها محاولة في فهم هذه الواقع الذي يعجز كل الغلاة والمنحرفين عن إيجاد خارطة طريق لمستقبلهم ! لا تفيدنا أبدا أية حلول غبية لمشكلات صعبة ، بل نحن بأمسّ الحاجة إلى تغيير واقع مأساوي .. والتغيير بحاجة إلى أخلاقيات عالية ومشروع متمدن وقوانين مدنية .قال الملك الراحل فيصل الأول مؤسس العراق الملكي : إن خاصمت أحدا ، فاترك هامش رجعة له ! وقال الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم مؤسس العراق الجمهوري : ' عفا الله عما سلف والرحمة فوق القانون ' ، ولم أجد حاكما عراقيا في يوم من الأيام لفّ رجلا على رجل في مناسبة عامة ، أو لعب بخشمه في مؤتمر دولي ! فمتى يتعلم كل المسؤولين العراقيين اليوم الأصول الحضرية ؟ أو أسلوب مخاطبة شعبهم ؟ أو تواضعهم وعدم تمييزهم بين العراقيين إلا على أساس السلوك والكفاءة والأهلية وقوة الشخصية ؟
وأخيراً أقول : شعب موحّد في تاريخه وجغرافيته وثقافته وسحناته وأشكاله وعاداته وتقاليده وذهنيته وسايكلوجيته وفنونه .. لماذا قسمتموه لأسباب طائفية تافهة أيها الأغبياء ؟

* مؤرّخ عراقي

المحرر:

  86446   0  
 

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الزوراء بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الزوراء علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :

 

جميع الحقوق محفوظة