الزوراء | العراق : الجامعات للعلم لا للطم !!

 العراق : الجامعات للعلم لا للطم !!

 

 

تاريخ الحزن على قتلى كربلاء، الإمام الحسين (61 هـ) وصحبه وآل بيته، أقدم مما سَنه البويهيون، لما فرضوا رسمياً توشيح بغداد بالسواد (352 هـ) لغرض سياسي. لكن ليس بالمشهد المبتذل الذي أسست له الدولة الصفوية (1501- 1736)، ومع ذلك لم يكن اللطم والتسويط بالسلاسل (الزناجيل) والضرب بالقامات مألوفاً لديها، فهذه ممارسة شوهاء. كذلك لم يكن الحزن، وما زال، مقتصراً على الإمامية، إنما للسنة أحزانهم الحسينية وبالعراق تحديداً، بمعنى أن الحسين للتآلف لا للتخالف. كانت لهم طرائقهم المعقولة في استذكار مأساة كربلاء، بالترنيم الحزين: 'ابكربلا ماتوا جدودي.. ما سقوهم ماء جودِ.. يا دموع العين جودي.. على الحسين بن علي' (الوردي، عالم التكايا). وفي التكايا السنية يُذكر العطش، وهو مركز الإثارة في العزاء الشيعي: 'أبكربلا ماتوا عطاشى/ دمهم على أرض طاشه/ لترك الدُّنيا ومعاشها/ على حسين بن علي' (المصدر نفسه). وما سجلته من مشاركين في منقبة نبوية ببغداد وسامراء من ترنيم سُنَّي في الحسين: 'حرموه شرب الماء حتى عياله/ وجالوا عليه بالسيوف قتيلا'. ومنها: 'الله قطُ قلبي عنكم بما سلا/ يالنَّازلين في نواحي كربلاء'. ويعظم سُنّة العراق للأئمة الاثني عشر: 'الباقر الحبر الفهيم العَالمِ/ والجعفر الصَّادق وموسى الكاظم'. وغير هذا مما ثبته في 'العراق... ضد الطائفية'.
وهذا إمام السلفية ابن تيمة (ت 728 هـ)، الذي بينه وبين بقية المذاهب، والشِّيعة على وجه الخصوص، مِن خصومة، قال في قتيل عاشوراء: 'الحسين رضي الله عنه أكرمه الله تعالى بالشهادة في هذا اليوم، وأهان بذلك مَن قتله، أو أعان على قتله، أو رضي بقتله، وله إسوة حَسنة بمَن سبقه مِن الشُّهداء …' (مجموع فتاوى شيخ الإسلام). بمعنى أن هناك اتفاقاً على الحسين، فلا يجب أن يؤخذ ويُرفع راية لتمزيق الأوطان، وما يجري من مواجهات بين الوقفين الشيعي والسني العراقيين الآن، على أضرحة وأمكنة ليس للحسين صلة بها، إنما هي مطامح وأهواء. أقول هذا محاولة لكبح الكراهية التي لا نعلم إلى أين تقودنا، فالعمل على تكريس الثأر باسم الحسين خطيئة بحقه قبل غيره.
كذلك ليس للحسين في مواكب الجامعات العراقية، والشقاق الطائفي الجاري والتعامل في المختلف ونبذ المؤتلف؛ ناقة ولا جمل. إن ما يجري هو نقل تجربة حزبية من زمن المعارضة ومحاولة تطبيقها، في زمن السلطة، على وطن يتسع للجميع كي يضيق ويتنابذ أبناؤه، وباسم مأساة الحسين وأهل بيته أيضاً. مع علمنا أن يوم العاشر من عاشوراء معلن عطلة رسمية من أول تأسيس الدولة العراقية، وكثيراً من الأزمان كانت قصة مقتل الحسين تذاع مِن مذياع بغداد، لكنه يومٌ ويمرُّ، لا تعطيل الدولة بلا قيود.
كانت مواكب الجامعات ممارسة لحزب الدَّعوة الإسلامية حصراً، لحشد سياسي وحزبي، والبداية (1966) أو ما بعدها بعام، حسب ما سمعته من طالب الرفاعي، أحد أبرز مؤسسي الحزب، كان الغرض المعلن منها تشذيب ما يحدث في عاشوراء من ممارسات، على أساس أنها تكتفي بـ'الردات' أي ما يردد من قصائد، يمكن أن يكون هذا هو الغرض، لكنه ليس الغرض الوحيد، إنما لاستغلالها في العمل الحزبي والسياسي وهو المهم على ما يبدو، أي وسيلة لا أكثر.
وبطبيعة الحال، لم توافق السلطة السابقة على هذه المواكب، لذا انتهت المحاولة، وما أن تسلم الإسلام السياسي الأمر، ممثلاً بحزب الدعوة والحركات الأُخر، حتى أُعيد العمل بتسييرها، ومن موقع السلطة، فما يُمارس الآن يجري على حساب الدراسة والمستوى العلمي وبالتالي إفراغ هذه المؤسسات من مناخها العلمي، وتحويلها إلى مؤسسات اجتماعية دينية، يبدأ فيها موسم التسرب من الدراسة ويستمر لأسابيع، وما تثيره تلك المواكب، ذات الطابع الحزبي، من تهييج بين أتباع الأحزاب نفسها، بينما المفروض في الجامعات أن تبقى مؤسسات علمية لا تأخذ دور المؤسسات الدينية وتغمرها الصراعات الحزبية.
يضاف إلى ذلك ما تتركه من تهييج آخر وهو الأخطر، بما يسفر عنه من افتراق اجتماعي حاد بين طلبة الجامعات. اطلعنا على كتب رسمية صادرة من وزارة التعليم العالي تفرض على الطلبة والموظفين المشاركة في المواكب، وهي ممارسة مستنسخة من النظام السابق، يوم كان الخروج للاستعراضات الحزبية يجري بتوجيهات رسمية! وهنا يصعب إغفال بيت الجواهري (ت 1997)، قاله عام 1942: 'مضى حمزةُ الصياد يصطاد بكرةً/ فآب وقد صاد العشي غُرابا'. فالزمن لدينا منتكس دائماً: نصف خطوة إلى الأمام خطوات إلى الوراء.
نعم قضية الإمام الحسين استغلت أيما استغلال، استغلها اليسار واليمين على حدٍ سواء، ففي نهاية الخمسينيات ظهر موكب كبير لأهل اليسار، عُرف بموكب العباسية، كذلك كان جمال عبدالناصر (ت 1970) حاضراً في الندب على الحسين، فعن شاهد عيان: لما سئل أحد البسطاء من المشاركين في المواكب بكربلاء: مَن عبد الناصر الذي تنشد له في عاشوراء؟! قال: 'أحد أصحاب الحسين'(1959)!
وكان هذا يجري في زمن المعارضة، والصراعات الحزبية، لكن زمن السلطة يختلف، والحسين ينشد إصلاحاً، وإلا لماذا عرض نفسه للقتل! هل لأجل استخدام مأساته دعاية حزبية؟ أم لتحويل المؤسسة العلمية إلى مكان طباخة؟ فالقدور الآن تنصب داخل الحرم الجامعي، وأبواب العلم تغلق مثلما تعطل مصالح البلاد لشهرين وأكثر.
هناك حالة منفرة للعلم والثقافة، وللأسف تجري باسم الحسين وخارج المعقول. يقولون: إن في عهود الدولة العراقية كافة كان لا يسمح بالتعبير عن الحزن في الدوائر الرسمية، وينعت الكثيرون تلك العهود بالطائفية، لكن هل جرى تسخير المدارس والجامعات ومؤسسات الدولة آنذاك لميلاد أبي حنيفة (ت 150 هـ)، مثلاً أو لتكريس حالة طائفية ما؟! لا لم يحدث هذا.
ستقولون: إن المدارس والجامعات كانت مسخرةً لأعياد ومناسبات حزب السلطة! وهذا نتفق به وهو خطأ شنيع بحق المؤسسات العلمية. لكن أيجوز تسخير العاطفة الحسينية لأغراض حزبية؟! فتكون الممارسة أشنع وأقبح، ففيها استغلال الحسين والجامعة معاً. من جهة أخرى إذا كان تسخير الجامعات والمدارس ومؤسسات الدولة الطاغي أسفر عن ابتذال للحزب الحاكم آنذاك، إلى درجة كرهه الناس، فهل النية ابتذال مأساة الحسين؟! وهو الذي من المفروض أن يريد للجامعات العلم لا اللطم!

الكاتب : رشيد الخيون


المحرر:

  16468   0  
 

لا يوجد تعليقات
تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الزوراء بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الزوراء علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :

 

جميع الحقوق محفوظة